بوريم (عيد المساخر، عيد الفور)

والآن وصلنا إلى الشهر الثاني عشر في التقويم اليهودي، وهو شهر آذار. يقول التلمود إنه ابتداءً من أوائل هذا الشهر “يجب أن نكثر بالفرح”. وسبب الفرح في آذار هو عيد البوريم المحتفل به في الرابع عشر من شهر آذار، وذلك ما عدا القدس حيث يحتفل بالعيد في الخامس عشر من الشهر. من حين إلى آخر، عندما يصادف الخامس عشر من الشهر يوم السبت، يحتفل سكان القدس بعيد البوريم خلال ثلاثة أيام في الـ-14، والـ-15 والـ-16 من الشهر!
ويشكل ذلك مميزًا واحدًا من مميزات غريبة كثيرة لهذا العيد العجيب. مميز آخر هي الوصية الدينية في الإفراط في شرب الخمر لدرجة عدم القدرة على التمييز بين “موردخاي المبارك” و”هامان اللعين”. وقبل العيد تقريبًا بأسبوع قد نرى الصغار (وأحيانا حتى الكبار!) يرتدون الأزياء التنكرية، ذلك لأن في هذا اليوم يجوز للناس، بل يفرض عليهم الاستهزاء بالأشياء الأكثر قدسية بالنسبة لنا.
في الظاهر، يحيي عيد المساخر ذكرى سلسلة الأحداث الغريبة نسبيًا التي تم وصفها في سفر إستير. في فارس القديمة، أقنع زعيم مهووس بالعظمة (هامان) ملكًا غبيًا (أحشويروش) بأن يسمح بذبح جميع اليهود. ولكنّ تدخل مستشار الملك، موردخاي، وبنت أخيه الجميلة، إستير، التي تم انتخابها ملكة في مسابقة جمال، أدى إلى تغيير هذا الحكم القاسي، أو بالأحرى منحت الطائفة اليهودية الحق بالدفاع عن نفسها. فالقصة تستمر من خلال مؤامرات داخل القصر وسلسلة من الولائم والحفلات، حتى أنه في نهاية القصة، يعلن موردخاي وإستير عن القيام بعيد للشعب اليهودي احتفالاً بخلاصهم من الإبادة، وذلك عن طريق منح الهدايا للفقراء ورزم من المأكولات الحلوة الشهية  لأصدقائهم. ويكون سفر إستير هو الوحيد في العهد القديم الذي لم يذكر فيه اسم الله ولو مرة واحدة. (أما في كثير من الطبعات المسيحية للعهد القديم هناك أصحاحات إضافية لسفر إستير تمت كتابتها باللغة اليونانية أصلاً وفيها يذكر اسم الله، ولكن كما ذكرنا فإن تلك الأسفار ناقصة في النسخة العبرية).
ومن أجل دراسة مفاهيم سفر إستير العميقة وكل مضامين عيد المساخر سنحتاج إلى دراسة أوسع بكثير من هذه الكراسة المختصرة. ولكن دعنا نلخص بعض النقط المهمة:

By Artist Arent de Gelder
  1. اقترح مفسرون يهود في تفسيرهم لسفر إستير أن القصة تبدو عديمة البعد الإلهي في الظاهر فقط، وذلك محاكاة لإدراكنا للواقع، حيث الواقع أيضًا يبدو أحيانًا عديم الإله. يتسنى لنا أن نلاحظ التدخل الإلهي والرعاية الإلهية في العالم فقط عندما نفحص من تحت السطح ونضيف بُعد الإيمان.
  2. يمكن تحليل هذه القصة كنموذج للتجربة اليهودية في الشتات: الاندماج في المجتمع المحلي، اللاسامية، العلاقات مع السلطات، ردود فعل الطائفة اليهودية في أوقات الضيق، والدفاع عن النفس. ولأن التضامن اليهودي هو بين أهم ردود الفعل عند المجتمع اليهودي في أوقات الضيق (“اذهَبِاجْمَعْ جَمِيعَ الْيَهُود…” إستير 4: 166)، فالفرائض المذكورة أعلاه – هدايا للفقراء وإرسال ورزم من المأكولات للأصدقاء (إستير9: 222) – هي فرائض تشجع التضامن الاجتماعي.
  3. إحدى العادات البارزة في عيد المساخر هي ارتداء الأزياء التنكرية. إذن على مستوى معين، يتحدث العيد عن الهوية – الشخصية والجماعية على حد سواء – وعن العلاقة “بالآخر”. وإحدى الطرق للتواصل مع “الآخر” هي عن طريق وضع الأقدام في أحذيته، بالمعنى الحرفي للقول، أو لعله عن طريق مواجهة “الآخر” الكامن في داخلنا.
  4. هناك حكمة حاخامية، لم ترد أصلاً بالنسبة لعيد المساخر، وتقول: إن طبيعة الإنسان تتبين في غضبه وكأسه وجيبه” والبعض يضيف أيضا “وضحكه”. وللأسف يضيع عند الترجمة الجناس الاستهلالي المستخدم هنا في العبرية، ولكن مع ذلك نستطيع فهم هذه الحكمة في سياق عيد المساخر. سنشرح ذلك بشكل مقلوب من آخر الحكمة لأولها: يشكل عيد المساخر فرصة مثالية لإظهار الفكاهة اليهودية، إذ ترجع جذور المسرح العبري واليديشي الحديث إلى “البوريمشبيل” التهكمي (مسرح بوريم). أما “الجيب” اليهوديفيتميز في كثرة الصدقات والعطايا، وأما الشرب، فيكون، كما أشرنا سابقًا، بمثابة فريضة، ولكنه لم يؤد عادة إلى العنف أو إلى أي نوع من التصرف غير المقبول  (أنظر فيما يلي). والغضب إزاء اللاسامية من قبل العالم غير اليهودي واضح جًدا ولكنه يسكت في معظم الأحيان.
  5. ولا نتصرف بالنزاهة إن لم نعترف بوجود بعض المجموعات المتطرفة داخل المجتمع اليهودي العصري في إسرائيل، وخاصة داخل مجتمع المستوطنين، الذي للأسف قد انتهز عيد المساخر للقيام بأعمال التخريب ضد جيرانهم العرب، والمثل الأسوأ لذلك هو الجريمة البشعة التي ارتكبت في الحرم الإبراهيمي الشريف في عيد المساخر عام 1994، عندما تمت مذبحة المصلين المسلمين الأبرياء أثناء الصلاة على يد أحد المستوطنين. ولكننا نؤمن أن تراث العيد لم يفرض هذه التصرفات، بل العكس، فالتقليد يوفر لنا مثالاً ممتازًا لطريقة استخدام العدوان – حتى عندما يأتي بالحق – بطريقة غير مهلكة. هنالك فريضة في العهد القديم تقول: “تَمْحُو ذِكْرَ عَمَالِيقَ مِن تَحْتِ السَّمَاءِ” (أنظر “الخروج” 17 و”التثنية” 25: 17-19). لأول وهلة تبدو هذه الفريضة، لا سمح الله، كوصفة للإبادة الجماعية. ولكن هامان كان من نسل أجاج العماليقي (أنظر إستير 3: 1 وصموئيل الأول 15: 8). فطريقتنا في تأدية هذه الفريضة بمحو ذكر عماليق هي كما يلي: عند قراءة سفر إستير في الكنيس في عيد المساخر، نثير الضجة كلما يذكر اسم هامان في النص. وما أجمل هذه الطريقة لتحويل مشاعر الغضب والعدوان إلى شيء غير مؤذ. يا ليتنا استطعنا كلنا أن نجد طرقًا إبداعية كهذه للتعامل مع مشاعر الإحباط!
By IgorZed
By Xeno4ka

 

بالنسبة لليهود المتدينين يتضمن عيد المساخر قراءة سفر إستير في الكنيس في ليلة العيد والصبح الذي يليه. هنالك احتفال جماعي أو عائلي يتخلله الكثير من الفكاهة والشرب والغناء والرقص والمسرحيات الهزلية ويتم توزيع رزم المأكولات الحلوة على الأصدقاء، كما ويتم إعطاء الصدقة للفقراء. ويعتبر اليهود في إسرائيل – متدينون وغير متدينين على حد سواء – عيد المساخر فرصة للقيام بحفلات تنكرية ومسيرات هزلية وأحداث أخرى. فإنه أقرب شيء عندنا “للكرنفال” في ريو.
إن إحدى المأكولات التقليدية لدى طوائف يهودية كثيرة هي المعجنات المحشوة ببذور الخشخاش واللوز والشوكولاتة وأنواع أخرى من الحلويات، ويطلق عليها بالعبرية “أوزني هامان” (أي “أذون هامان”) بينما يطلق عليها باليديش “هامينتاشن” (أي “جيوب هامان”). والتحية الشائعة في العيد تكون “بوريم سامياح”.
والكلمة الاختتامية عن هذا العيد: لماذا يوجد فرق بين القدس وباقي المدن؟ في سفر إستير، طال القتال في شوشان العاصمة يومًا إضافيًا بعد ما انتهى في سائر أنحاء فارس (أنظر “إستير” 9: 17-18). لذلك احتفل يهود شوشان بخلاصهم المدهش يومًا واحدًا بعد بدء الاحتفالات في الأماكن الأخرى. وأراد الحاخامون أن يحترموا مدينة القدس المقدسة بقدر ما احترموا مدينة شواشن على الأقل، لذلك أمروا أن يحتفل بالعيد في القدس فيما يسمى بـ”شوشان بوريم” وليس في يوم بوريم نفسه. إنهم شعروا أن بوريم رغم كونه بالأساس احتفال الشتات فما زال يجب في إطاره منح مكانة خاصة للقدس.

Rossing Center logo

المزيد عن اليهودية

Rossing Center logo
  • All
  • الأعياد
  • المجتمعات اليهودية
  • دوائر الحياة
  • مفاهيم أساسية
من هم اليهود؟ أوجه شبه وأوجه اختلاف

من هم اليهود بالضبط؟ هنالك (بما يشمل اليهود أنفسهم) من يعتبر اليهودية دينا (مثل الإسلام أو المسيحية)، هناك من يعتبرها قومية، وهناك من ينظر إليها …

دوائر الحياة في اليهودية – مقدمة 

للحضارات الدينية لا توجد مناسبات سنوية تشير الى دورات الفصول، الأحداث التاريخية وغيرها فحسب، بل أيضًا لديها طقوس تتعلق بدائرة الحياة أو كما سماها عالم …

التقويم اليهودي

لكل حضارة بشرية طرق خاصة لذكر المناسبات والمواعيد والأعياد – عادة الأعياد والصيام معًا. البحث عن طرق ذات معنى للإشارة إلى التغييرات التي تميز فصول …

التوراة

مع أنها غالبا ما تترجم لـ “قانون”، المعنى الصحيح للتوراة هو “التعليم”. تشمل التوراة، أوسع نطاق ممكن – فهي تعني التعليم، الحكمة، العقيدة، التراث والتقاليد …

Hazal
الحكماء

حازال هي علامة اختصار للكلمات “حاخامينو زِخرونام لِفراخا” (حكماؤنا رحمهم الله) وهي تشير للحاخامات من الحقبة التلمودية. ظهرت المجموعة المعروفة باسم الحكماء في حقبة الهيكل …

مِتسفا

المتسفوت (بالمفرد، مِتسفا) هي الوصايا. بحسب التلمود، بلغ عدد المتسفوت التي أمر بها الله في التوراه 613. تقسم هذه الوصايا لـ 248 وصية “إفعل” (“الأمر …

انتقل إلى أعلى